تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري

74

مباحث الأصول ( القسم الأول )

المسلك الأوّل : ما ذهب إليه المشهور من الفلاسفة ، فهم اعترفوا بالمقدّمة الثانية ، وهي : أنّ فعل الإنسان مسبوق بالضرورة ، ولكنّهم ناقشوا المقدّمة الأولى ، وهي : أنّ الضرورة تنافي الاختيار ؛ وذلك أنّهم فسّروا الاختيار بأنّ مرجعه إلى القضيّة الشرطيّة القائلة : إن شاء وأراد فعل وإلّا لم يفعل ، والقضيّة الشرطيّة لا تتكفّل حال شرطها ، وأ نّه : هل هو موجود بالضرورة ، أو معدوم بالضرورة ، أو لا ، فمتى ما صدقت هذه القضيّة الشرطيّة فقد صدق الاختيار حتّى إذا فرض أنّ الشرط - وهو الإرادة مثلًا - كان ضروريّاً ، فكان الجزاء ضروريّاً بالغير ، أو كان ممتنعاً ، فكان الجزاء ممتنعاً بالغير من دون فرق بين أن يكون وجوب الشرط وامتناعه بالغير كما في الإنسان ، أو بالذات كما يفترضونه في حقّ الباري تعالى ؛ لأنّ صفاته واجبة بالذات ؛ لأنّها عين ذاته ، وضرورة الفعل الناشئة من الإرادة لا تنافي الاختيار ، بل تؤكّده ؛ لأنّ الاختياريّة تكون بصدق القضيّة الشرطيّة القائلة : لو أراد لصلّى مثلًا ، فإذا ثبت أنّ الصلاة تصبح ضروريّة عند الإرادة ، فهذا تأكيد للملازمة ، وتحقيق بتّيّ لصدق القضيّة الشرطيّة ، وبدون هذه الضرورة تكذب القضيّة الشرطيّة ، وليست مضمونة الصدق . والحاصل : أنّ الاختيار صادق متى ما صدقت هذه القضيّة الشرطيّة كما في حركة يد السليم ، وغير صادق متى ما لم تصدق القضيّة الشرطيّة كما في حركة يد المرتعش ، وهذا لا ينافي ضرورة الفعل بالإرادة ، ولا ضرورة الإرادة نفسها ، وهذا مرجع ما قاله صاحب الكفاية : من أنّ الفعل الاختياريّ ما يكون صادراً عن الإرادة بمبادئها ، لا ما يكون صادراً عن إرادة صادرة عن الاختيار ، وهكذا . وهذا الكلام الذي قاله هؤلاء الفلاسفة والحكماء - بحسب الحقيقة - مبنيّ على ما ذكرناه من التفسير للاختيار ، وهو : أنّه عبارة عن صدق تلك القضيّة الشرطيّة ، وبعد فرض التسليم بهذا التفسير يتمّ استدلالهم في المقام ، وهو : أنّ هذه القضيّة